الحكيم الترمذي

163

غور الأمور

شأن القلب يتصور لك ذلك الشئ الذي تردد ذكره على قلبك وقع ظله ، فإذا ذكرت الخالق لم يقع لذكره ظل . لأن الذي أشرق نوره فصار الصدر شعاعا كله بمنزلة المرأة ، إذا لاقى نوره بصرك نور المرأة رأيت فيه الجبال ، فإذا لاقى نور الشمس صار شعاعا وإمتلا البيت من شعاعه ، فهذه صفة الشكر واسمه دل على ، صفته « 1 » ، وأما الصبر فإشتقاقه من الأصبار « 2 » وهو أن يتخذ الشئ عرضا ومنه قيل نهى عن أكل المصبور ، وهو أن ينصب الشئ ليرمى بالسهام . فكان صورة الصبر ثبات العبد لسهام القضاء كالغرض لسهام ابن آدم لا يميل يمينا ولا شمالا ، ولا يزول عن مكانه موليا هاربا فإن شرط العبد فيما بينه وبين ربه الإيمان والإسلام . فالتسليم هو قائم بين يديه لحكمه ، فإذا جاسهم القضاء ترك المركب وهرب فعصا ربه ، من أجل ذلك الحكم الذي حل به ، كان قد ترك القيام فالشكر هو رؤية النعمة والمنة وهو بمدحه .

--> ( 1 ) صفة الشكر : أنه يبدأ بمعرفة النعمة لأنها السبيل إلى معرفة المنعم ، ومعاني الشكر عندئذ - كما يقول ابن القيم في مدارج السالكين - ثلاثة : معرفة النعمة ، ثم قبول النغمة ، ثم الثناء بها فمعرفتها : تحصيلها ذهنا ، كما حصلت له خارجا . وقبولها : هو تلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها ، وأن وصولها إليه بغير استحقاق منه ، ولا بذل ثمن . والثناء على المنعم ، المتعلق بالنعمة نوعان : عام ، وخاص ، فالعام وصفه بالجود والكرم ، والبر والإحسان ، وسعة العطاء ، ونحو ذلك والخاص ، التحدث نعمته ، والإخبار بوصولها إلهي من جهته كما قال تعالى ( وأما بنعمة ربك فحدث ) . ( 2 ) صبر عن الأمر صبرا : حبس نفسه عنه والصبر التجلد وحسن الاحتمال ، ورمضان شهر الصبر ، لأنه حبس للنفس عن الشهوات .